قصة الهوية التي حاول الإنجليز فرضها على مصر..!

بدأ صراع الهويات في مصر عام 1906، حيث عمل كرومر- المندوب السامي البريطاني والحاكم الفعلي لمصر – على تشجيع مجموعة من المصريين على الترويج للقطرية المصرية، وتمجيد الرموز الفرعونية، وإثارة اعتزاز المصريين بأصلهم الفرعوني، وذلك في مواجهة الهوية الإسلامية التي تبناها الحزب الوطني ( مصطفى كامل )، والهوية القومية العربية التي تبناها حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية.

وقد شجع المندوب السامي البريطاني ما كان يطلق عليهم أصحاب المصالح على إنشاء حزب الأمة، وإصدار جريدة الجريدة التي رأس تحريرها أحمد لطفي السيد.

وهذه الجريدة كانت تبالغ في تمجيد الفرعونية، كأساس لهوية المصريين، وتربط ذلك بالتحالف مع الإنجليز، باعتبار أنه ليس هناك مشكلة في تبعية مصر الفرعونية لبريطانيا، وقطع علاقتها بالدولة العثمانية وبالإسلام. ولكن هل مصر فرعونية؟ وما علاقة شعب مصر الآن بالفرعونية، وهل يصلح العرق والعنصرية أساسا لتوحيد دولة؟

طوال القرون الثلاثة التي سبقت فتح الإسكندر لمصر كان الفراعنة لا يسيطرون إلا على أجزاء قليلة من مصر، وأن الجيش المصري كان يتشكل من الجنود الإغريق المرتزقة

انقطع التاريخ الفرعوني

توضح دراسة التاريخ أن حكم الفراعنة انتهى في مصر عام 332 ق.م عندما فتح الإسكندر الأكبر مصر، وقبل ذلك التاريخ كان قد استعان الملوك الفراعنة بجنود إغريق مرتزقة انتشروا في مصر خاصة على ساحل البحر الأبيض، كما انتشر التجار الإغريق، وبنوا مراكز تجارية بعد أن شجع الفراعنة هؤلاء التجار على زيادة التبادل التجاري. وقد مهد هؤلاء التجار والجنود الإغريق المرتزقة لاحتلال الاسكندر لمصر، وساعدوه على ذلك، فقد كانوا يسيطرون بالفعل على معظم المدن المصرية خاصة مدينة ممفيس.

وقبل احتلال الإسكندر لمصر كانت فارس قد سيطرت على جزء كبير منها مما اضطر الفراعنة إلى الاستعانة بالجنود الإغريق المرتزقة على حرب العدو المشترك وهو الفرس، وكانت اليونان في أشد الحاجة إلى الحصول على القمح من مصر.

هذا يعني أنه طوال القرون الثلاثة التي سبقت فتح الإسكندر لمصر كان الفراعنة لا يسيطرون إلا على أجزاء قليلة من مصر، وأن الجيش المصري كان يتشكل من الجنود الإغريق المرتزقة، وأن العمل الرئيسي للمصريين طوال تلك القرون كان هو زراعة الأرض لإنتاج القمح الذي تحتاجه المدن اليونانية، وذلك في مقابل الفضة التي كان يحتاجها ملوك الفراعنة لدفع مرتبات الجنود المرتزقة.

مصر كانت طبقا لوصف مصطفى العبادي أكبر وأغنى قطر في الدولة الفارسية، وأن حكم الفراعنة انتهى قبل وصول الإسكندر بثلاثة قرون على الأقل

مصر تخضع للاستعمار الفارسي

كان من الواضح أن فارس قد سيطرت تماما على مصر، وكان ذلك هو أهم أسباب احتلال الإسكندر لمصر، كجزء من حربه ضد الفرس العدو التقليدي للإغريق.

وتؤكد المصادر التاريخية أن الوالي الفارسي على مصر قام بتسليمها إلى الإسكندر الأكبر دون حرب، وهذا يوضح أن مصر كانت تحت الاحتلال الفارسي الذي كان يقهر المصريين ويذلهم لإجبارهم على زراعة الأرض لإنتاج القمح، ويؤكد ذلك استقبال المصريين للإسكندر باعتباره المنقذ لهم من الاحتلال الفارسي.

هناك أيضا ما يؤكد أن عاصمة مصر كان يحكمها الوالى الفارسي، حيث يقول الدكتور مصطفى العبادي: إن الإسكندر شعر أن آماله بدأت تتحقق فعلا، وأن مرحلة الخطر والمعارك الكبرى قد انتهت، فهذه مصر أكبر وأغنى قطر في الدولة الفارسية قد دانت له، واستقبله أهلها بالترحاب استقبال البطل المنقذ.

وهذا يعني أن مصر كانت طبقا لوصف مصطفى العبادي أكبر وأغنى قطر في الدولة الفارسية، وأن حكم الفراعنة انتهى قبل وصول الإسكندر بثلاثة قرون على الأقل.

مصر تحت حكم الإغريق

وقد اتجه الاسكندر الأكبر إلى بناء مدينة الإسكندرية التي تعتبر أعظم وأخلد أعماله، ولتصبح – كما يقول مصطفى  العبادي-  مركزا ورمزا لحضارة العصر الذي ابتدأه الإسكندر.

وهذا يعني انتقال مصر من مرحلة كانت فيها قطرا فارسيا إلى مرحلة جديدة سيطر عليها الإغريق، وأصبحت مركزا للحضارة الإغريقية، فأين كان الفراعنة؟ وأين أمجادهم التي تستحق أن يفخر بها المصريون، و يعتبرونها هويتهم؟

وهل المبالغة في تمجيد الفرعونية يتم لتبرير السيطرة الغربية في مصر، وتبعيتها لبريطانيا ثم لأميركا؟

هذه أسئلة مهمة يحتاج المصريون للإجابة عليها بعد عقود تعرضوا فيها لتزييف وعيهم، ولحملات التجهيل والتضليل التي استخدم فيها الاستعمار بعض مدعي الثقافة من المصريين الذين ارتبطوا بالغرب.

نظرة سريعة على النظام الذى صنعه الإسكندر الأكبر تكشف لنا نقصا ظاهرا فيه وهو عدم وجود منصب حاكم عام للبلاد، وإنما وزعت السلطة بعناية شديدة بين المشرفين على الإدارة والشؤون المالية

  • مصطفى العبادي

العسكر يحكمون والموظفون يجمعون الضرائب

قام الإسكندر الأكبر بفصل الوجهين البحرى والقبلي، واستخدم موظفين مصريين لإدارة شؤونهما تحت السيادة الإغريقية، وكانت مهمة هؤلاء الموظفين أقرب إلى جباية الضرائب، وارغام الفلاحين على الزراعة، وهذا يعني أنه لم يكن لهم إرادة أو قدرة على الحكم، و أن مصر لم تكن دولة في ذلك العهد، كما أن العسكر الإغريق هم الذين يتولون حفظ الأمن والدفاع، وقادة العسكر الإغريق كانوا هم الحكام الحقيقيين، وحتى الإشراف على الخزانة و لشؤون المالية كان يقوم بها موظف إغريقي.

يقول مصطفى العبادي: إن نظرة سريعة على النظام الذى صنعه الإسكندر الأكبر تكشف لنا نقصا ظاهرا فيه وهو عدم وجود منصب حاكم عام للبلاد، وإنما وزعت السلطة بعناية شديدة بين المشرفين على الإدارة والشؤون المالية، وقد فعل الإسكندر ذلك عامدا ليمنع أي حاكم بمفرده من أن يقوى سلطانة، ويتمكن من الاستقلال بمصر.

يعملون بالسخرة تحت القهر

ونضيف إلى ملاحظة العبادي أن الموظفيين المصريين الذين استخدمهم الإسكندر في الإدارة؛ كانت مهمتهم قهر الشعب، ونهب المحاصيل والغلال لتوفيرها لجيش الإغريق، الذي كان يواصل معركته ضد الفرس، بالإضافة إلى احتكار الإغريق لتجارة القمح، ليصبح هذا الاحتكار من أهم مصادر قوتهم.

إن المصريين طوال القرون التي سيطر فيها الفرس والإغريق لم يكن لهم أية علاقة بالحكم أو الجيش أو بناء المدن أو الحضارة، وكان كل عملهم ينحصر في الزراعة، ويتم نهب القمح منهم، فكان عملهم أقرب إلى السخرة أو العبودية، و لم يكن يستطيع أحد أن يترك زراعة الأرض.

ويمكن أن نكتشف أن  ذلك هو العمل الوحيد للمصريين خلال الاحتلال الروماني مع المزيد من القسوة، والاضطهاد، فالرومان كانوا يعاملونهم كعبيد، وهذا يعني أننا لو حسبنا الفترة من الاحتلال الفارسي إلى نهاية الاحتلال الروماني فإنها تزيد عن عشرة قرون، كان فيها المصريون مجرد عبيد يعملون في زراعة الأرض ويتم نهب محاصيلهم، دون أن يحصلوا منها حتى على القوت الضروري، وأنهم طوال تلك القرون يعيشون في شبه مجاعة، وأن الفتح الإسلامي لمصر كان بداية تحرير الإنسان واحترام كرامته، وأن الإسلام هو وحده الذي يستحق الإعتزاز والفخر به كهوية لمصر وللإنسان المصري.

كليومنيس احتكر تجارة القمح في موانئ البحر المتوسط، وكان يستغل الأزمات في هذه الموانئ لبيعه بأسعار عالية، لذلك كانت تلك أول محاولة لإنشاء تجارة احتكارية دولية في التاريخ.

عبيد التمساح

هناك رواية جميلة أنقلها عن مصطفى العبادي هى أن كليومنيس الذى استطاع أن يصبح الحاكم الفعلي لمصر بعد مغادرة الإسكندر الأكبر، كان يريد نهب أموال الكهنة الذين يقومون بتجارة القمح، فاستخدم الحيلة، حيث علم أن الكهنة في الفيوم يعبدون التمساح، فقام بزيارة الفيوم، ثم ادعى أن التمساح قد ابتلع أحد اتباعه،  وانتقاما له قرر أن يقوم بالقضاء على التماسيح، فخشي الكهنة على إلههم، فجمعوا ما استطاعوا من المال وقدموه لكليومنيس حتى يرضى ويعفو عن إلههم.

لكن من الواضح أن كليومنيس أعجبته الفكرة، ووجد أنها يمكن أن تجلب له الكثير من الأموال، فقام بجمع ممثلين من جميع المعابد، وقال لهم إن المعابد تتكلف الكثير من المال، لذلك يجب هدمها، فخاف الكهنة على معابدهم، و اتفقوا على جمع مبلغ كبير من المال سواء من أملاكهم الخاصة، أو من أملاك المعابد وقدموها لكليومنيس.

كما أن كليومنيس احتكر تجارة القمح في موانئ البحر المتوسط، وكان يستغل الأزمات في هذه الموانئ لبيعه بأسعار عالية، لذلك كانت تلك أول محاولة لإنشاء تجارة احتكارية دولية في التاريخ.

ويعتبر كليومانيس هو باني مدينة الإسكندرية تنفيذا لأمر الأسكندر الأكبر، وهو الذي حولها إلى عاصمة لمصر ومركزا للنشاط التجاري، والتي احتلت مكانة مهمة في العالم، فلم تكن هناك أية أهمية لمدينة مصرية سواها، ولقد ساد الطابع الإغريقي المدينة، و لم يكن بها أية مظاهر فرعونية.

تحت حكم البطالمة

بعد وفاة الإسكندر تولى الحكم أخوه غير الشقيق ادريديوس فيليب، الذي كان معروفا بالبلاهة وضعف العقل وعدم القدرة على الحكم بنفسه، وفتحت مصر للقائد بطليموس، ليبدأ في مصر عهد جديد تحت حكم البطالمة، وقد تمكن بطليموس من ضم فلسطين وسوريا وبرقة إلى مصر.

وكان من أهم قرارات بطليموس الإعتماد على المقدونين والإغريق في حكم مصر، واستبعاد أي مصري، واتبع الملوك البطالمة بعده  هذه السياسة، وعملوا على نشر الحضارة الهيلينية في مصر، لذلك استقدم بطليموس أعدادا كبيرة من الإغريق والمقدونين لبناء جيشه، وتولى شؤون الإدارة والحكم وحتى جباية الضرائب.

المصريين ارتضوا الفقر لكنه لم يرض بهم، فحتى زراعة الأرض لم يعد لهم فيها نصيب. هذه هي الهوية التي أراد كرومر أن يبث فيها الحياة كبديل للإسلام و العروبة، واستخدم الجريدة وحزب الأمة وأحمد لطفى السيد للترويج لها

لم يرض الفقر بهم

يقول مصطفى العبادي إن بطليموس انتهج سياسة ثابتة لتشجيع وتنظيم هجرة الإغريق إلى مصر، ومنح الجنود في جيشه قطعا من الأرض، ليقيموا عليها ويستثمروها في وقت السلم.

وهذا يعني أن المصريين أصبحوا لا يمتلكون شيئا، حتى أنه لم يسمح لهم بأن يكونوا مجرد عبيد للأرض يزرعونها، ويحصلون منها على بعص القوت، بعد أن ينهب المحتلون قمحها كما في العصور السابقة.

كانت الأمور تسوء والحياة تضييق مع مرور الزمن، ولكي يتمكن بطليموس من السيطرة على الأرض، فإنه كان يجلب الجنود المنهزمين في حروبه ويقطعهم أرض مصر كما حدث عقب انتصاره على ديمتريوس عام 312 ق.م، حيث أرسل إلى مصر ما يزيد على ثمانية آلاف من الجيش المنهزم  ووزعهم على بقاعها المختلفة.

وهذا يعني أن المصريين ارتضوا الفقر لكنه لم يرض بهم، فحتى زراعة الأرض لم يعد لهم فيها نصيب. هذه هي الهوية التي أراد كرومر أن يبث فيها الحياة كبديل للإسلام و العروبة، واستخدم الجريدة وحزب الأمة وأحمد لطفى السيد للترويج لها.

و السؤال الآن لكل مصري هل يشرفك أن تكون فرعونيا؟ وهل تقبل أن تتخلى عن الإسلام من أجل تلك الهوية؟

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

ظهرت في الأصل على www.aljazeera.net

Leave a Comment